الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
98
نفحات الولاية
كأنّ البشرية قبل التعليم والتربية مستغرقة في وحل الطبيعة ولابدّ لها من التمسك بحبل بغية النجاة . وينبغي أن يكون هذا الحبل متيناً كي لا يتركها منتصف الطريق . ومن هنا يعبر عن القرآن بالحبل المتين ، الوسيلة الفضلى في النجاة ، وبالنظر إلى أنّ سلوك الطريق في الظلمات يؤدّي إلى الضلال والسقوط في المستنقعات فقد شبه القرآن بالنور المبين الذي يحف الإنسان حتى يبلغ الهدف . وقال في صفته الثالثة والرابعة بالنسبة للقرآن : وَالشِّفَاءُ النَّافِعُ ، وَالرِّيُّ « 1 » النَّاقِعُ « 2 » » ، فالصفات الذميمة والرذائل الأخلاقية سواء تلك التي يتسم بها الفرد أو الجماعة كالأمراض المعضلة وربّما القاتلة وقد ورد علاجها في ظلال القرآن الكريم ، وطالما كان أهم عوامل الحياة وديمومتها هو الماء فإنّ القرآن الكريم يلعب دور الماء في حياة الإنسان المعنوية ، ومن هنا عدّه الإمام عليه السلام وسيلة ري عطاشى الحق . ثم قال في الميزة الخامسة والسادسة : « وَالْعِصْمَةُ لِلْمُتَمَسِّكِ ، وَالنَّجَاةُ لِلْمُتَعَلِّقِ » فالإنسان عادة ما يتعرض في مسيرته نحو الصلاح والسعادة إلى بعض المطبات ولابدّ له من التمسك بما يعونه من الوقوع في تلك المطلبات . وقال في الميزة السابعة والثامنة « لَا يَعْوَجُّ فَيُقَامَ ، وَلَا يَزِيغُ فَيُسْتَعْتَبَ « 3 » » . قطعاً أنّ كلام اللَّه الذي يستند إلى علمه المطلق ليس من سبيل للخلاف والخطأ والانحراف إليه ، ذلك لأنّ الخطأ إنّما يقارفه من كان علمه محدوداً وقدرته بسيطة ، لا تلك الذات المطلقة العلم والقدرة ، ونعلم جميعاً أنّ احدى ملامح اعجاز القرآن ، عدم وجود التضاد والاختلاف في آياته : « وَلَو كَانَ مِن عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوجَدُوا فِيهِ اختِلافاً كَثِيراً » « 4 » كما
--> ( 1 ) . « ري » بمعنى السقي ( 2 ) . « ناقع » من مادة ( نقع ) على وزن نفع ، تعني في الأصل انغمار الماء ، وتعني هنا الري الكامل ، بحيث يزول العطش ( 3 ) . « يستعتب » من مادة ( عتب ) على وزن ثبت تعني في الأصل الانفعال الباطني وان استعملت في بابالاستفعال بمعنى كسب ود الطرف المقابل وكأنه يطلب منه العتبى حتى يرضى ويعودالى سبيل الحق ( 4 ) . سورة النساء ، الآية 82